يوسف المرعشلي
775
نثر الجواهر والدرر في علماء القرن الرابع عشر
عبد القادر القصّاب « * » ( 1264 - 1360 ه ) العلامة الشاعر ، المشارك : عبد القادر بن حسين القصّاب الدمشقي . ولد بدير عطية من منطقة النبك في جبال القلمون شمالي دمشق : لأب عالم فقيه . ورع زاهد ، يحفظ القرآن الكريم ، وأم صالحة فقيهة عابدة قادرية الطريق ، أخذت الفقه عن الشيخ سعيد الخطيب من دير عطية ، والطريق عن الشيخ وهبة أبي العظام ، تقرئ الأولاد الفقراء بلا عوض . وتواسيهم من مالها . قرأ القرآن الكريم على أمّه التي ما لبثت أن ماتت وهو في الثامنة ، فلمّا شبّ تلهى مع الشباب ، ونظم لهم الشعر في منتدياتهم ومناسباتهم : لكنه فجأة اعتزلهم متفكّرا حائرا ، وتركت هذه العزلة في حياته شأنا . وصاغته صوغا جديدا تأثّر خلالها ببردة البوصيري ، ومال للتصوف . رحل إلى دمشق مع شباب بلدته ؛ فعمل في الطين والكلس نهارا ، وفي القراءة ليلا ، ثم اتصل بالشيخ عبد القادر الخطيب نازلا في غرفة بمدرسة الخياطين ، وحضر عليه دروسه في الجامع الأموي ، يحيا خلال ذلك حياة الزهد ، مكتفيا بأكلة واحدة كل يوم ، متأثرا بكتاب « إحياء علوم الدين » للغزالي ؛ حتى حفظ منه أبوابا كاملة . وكان يعمل كل أسبوع يومين في الكلس والطين على مدى سنتين مات بعدهما شيخه الخطيب . ثم أغراه شاب بالسفر إلى الأزهر سنة 1288 ه ، فرحل إليه ، وانقطع إلى العلم في رواق الشام الانقطاع التام ؛ لا عمل له إلا العلم ، وحفظ المتون ، مداوما على الأوراد والتلاوات التي تلقّاها عن شيخه الدمشقي . وتلقّى في الأزهر علوما وفنونا مختلفة من توحيد وتفسير وحديث وفقه وتصوف وفرائض ونحو وصرف وبلاغة وعروض ومنطق وحساب . وقد وصف المترجم حاله في الأزهر فيما بعد بقوله : « كان حالي في بدء أمري على أشد فقر وحاجة ، أسوأ مما كنت عليه في الشام ، إذ هناك يمكنني العمل والاكتساب ، وهنا لا ، فكان أكثر قوتي مما يلقيه المجاورون عند البحرة المعدّة للوضوء من ورق الفجل والكراث ، وقشر البطيخ ، ومما يتساقط من فتات الخبز اليابس عند وضعهم له في الخزانة . . وذلك أن جراية الأزهر كانت مخصوصة بالآفاقيين ، وأهل الريف ، أي قرى مصر ، كان يأتيهم الخبز وغيره من أهلهم ، وكنت أفعل ذلك [ تحت ] جنح الظلام حتى لا يشعر بي أحد من الأنام ، وكنت أكتم حالي جدا ، وأرى إظهاره كفرا أو كالكفر ، وكنت أرقد بلا غطاء ولا وطاء . . ولم أزل على تلك الحالة إلى أن أصبت من جراية الأزهر رغيفين بعد مضي سنتين ، وتمام الجراية ستة أرغفة بالتدريج ، فتم لي ستة أرغفة بعد ست سنين ، فكنت آكل ثلاثة وأبيع ثلاثة إلى أن فتح اللّه عليّ ووسّع : فكنت أتصدق بالكل » ، وقد وسع اللّه عليه ؛ فتعرف على رجلين من كبار التجار هناك أكرماه غاية الإكرام ، وكانا يوكلانه بتوزيع المال على مجاوري الأزهر . وانتقل في الأزهر من طور التعلم إلى طور التعليم ؛ فتحلّق حوله الطلبة وكتب له النجاح في التدريس ، واشتدّ الإقبال على دروسه ، وأعجب به شيوخه وأثنوا عليه ؛ وخاصة الشيخ محمد الأشموني ، وبقي كذلك نحوا من عشرين سنة درّس فيها فنونا شتى ، وعلوما مختلفة ، وكان يكثر من زيارة قبور آل البيت رضي اللّه عنهم . . وكانت إقامته في الأزهر سبعا وعشرين سنة إقامة متصلة استمرت حتى عام 1314 ه . وإلى جانب العلم حبب إليه التصوف ؛ فقرأ كتبه ، وتوغل في دقائقها ، وآثر حكم أبي الفضل ، وإحياء الغزالي ، ورسالة أبي القاسم القشيري ، وأسفار أبي بكر ، وسواها . عاد إلى الشّام ، وترك الأزهر بعد وباء الكوليرا وما رافقه من حواث العنف إثر فتنة وقعت ، ومفاد ذلك : أنّ الحكومة كانت تأخذ إلى المستشفى المصابين بهذا الوباء لتعزلهم ، ولما وقع مريضا أحد المغاربة دافع
--> ( * ) « العلامة الشيخ عبد القادر القصاب » للشيخ محمد وفا القصاب ، و « معجم المؤلفين » لكحّالة : 5 / 298 ، و « تاريخ علماء دمشق » للحافظ : 1 / 539 .